عماد الدين خليل
6
دراسة في السيرة
إن سيرة رسولنا صلى اللّه عليه وسلم تجربة غنية بأحداثها ، زاخرة بدلالاتها ، متنوعة بمعطياتها ، وما كان لباحث يسعى إلى إيفائها حقها من البحث والتحليل إلا أن يوسع نطاق رؤياه ويصبّ اهتماماته على هذه الجوانب جميعا ؛ حركية وسياسية وعسكرية وشخصية وفقهية وروحية وواقعية وغيبية وعقيدية وحضارية . ولم أشأ - من أجل تركيز الصورة وتحديد أبعادها بدقة - أن التزم الخط الزمني لأحداث السيرة ، ذلك الخط الذي وقع في أسره معظم الباحثين ، فضاعت في مجراه حقائق ، وطمست دلالات وقيم ، ما كان لها أن تضيع أو تنطمس لو قسمت وقائع السيرة إلى وحدات متجانسة خصص لكل وحدة منها مساحة مناسبة في البحث ، استقصيت فيها سائر جوانبها ونسقت جلّ وقائعها ، وحللت معظم دلالاتها وقيمها . ومعروف أن التزام المجرى الزمني يدفع الباحث إلى أن يحشر في النقطة الواحدة ، أو المقطع الواحد ، مجموعة أحداث ووقائق متنافرة متقاطعة غير متجانسة ، ويلجئه أحيانا أخرى إلى تقطيع الواقعة الواحدة إلى أجزاء متناثرة لا يضمها إطار واحد ولا يوحدها تجانس نوعي ، وهذا - بطبيعة الحال - نتيجة محتمة للسعي وراء منطق التقسيم الرياضي الصارم للأيام والسنين ، وهو الأسلوب الذي اعتمده مؤرخونا القدماء وعرفوه باسم ( الحوليات ) ، حيث لم يكن علم التاريخ ولا مناهج البحث فيه قد استكملت أسبابها بعد . من أجل ذلك جاء هذا البحث يعرض أحداث السيرة كوحدات محددة الأبعاد ، وبخاصة في عصرها المدني حيث تكثر الروايات وتتكاثف الأخبار وتزدحم التفاصيل . . تناولت فيها على التوالي : محمد بين الميلاد والنبوة ، الدعوة في عصرها المكي ، تحليل للهجرة ، دولة الإسلام في المدينة ، الصراع مع الوثنية ، العلاقات بين الإسلام والجبهة البيزنطية - النصرانية ، الصراع مع اليهود ، ثم حركة النفاق في العصر المدني . وبقدر ما رأيت في بعض الروايات والأخبار قوة وأهمية ، فوقفت عندها طويلا محللا مستنتجا ، رابطا إياها في نسقها النوعي من الوقائع ، بقدر ما لمست في روايات وأخبار أخرى ضعفا وانعدام أهمية فأغفلتها إغفالا تاما ، أو مررت بها مرورا سريعا معتمدا في ذلك على المقياس الصارم وهو قبول كل ما لا يتعارض مع آيات القرآن الكريم ومعطيات السنن الصحيحة ، ورفض ما عدا ذلك أو - على الأقل - عدم التسليم المطلق به .